حيدر حب الله

146

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

المسيحية بها ، وهي أنّنا أتينا بالعقل اليوناني لكي نفهم من خلاله النصوص الدينية التي جاءت في مناخ عربي معروف ، فعندما أتى المسلمون بالعقل اليوناني بكلّ محدِّداته وقوانينه الصارمة المنطقية ، بدأوا ينظرون إلى العالم على أنّه عبارة عن أشكال هندسيّة ، مستطيلة ومربّعة ودائرية ومكعّبة ومعيّنة وغير ذلك ، وصارت النظارات التي نرى فيها الأشياء هي النِّسب المنطقيّة الأربعة والقوانين الصارمة للقضايا التي طرحها المناطقة . فعندما نقول : كلّ إنسان فانٍ ، فهي قضية كليّة ، ومعنى الكليّة أنّه لو وجد إنسان غير فانٍ لبطلت قضيّة : كلّ إنسان فان ، وتحوّلت من قضيّة كليّة إلى جزئية ، والقضية الجزئية يجب تغيير سُوْرِهَا - بحسب الاصطلاح المنطقي - من كلمة ( كلّ ) إلى كلمة ( بعض ) ، وتكون النتيجة ( بعض الإنسان فان ) . إنّ المنطق لا يسمح لي بالتساهل في قوانينه الحادّة ، فكلّ الزوايا فيه محدَّدة ولا توجد زاوية مدوّرة ، وإذا تشابكت دائرة مع دائرة أخرى ، ظهرت صور هندسيّة عدّة ، عناصر اشتراك وأخرى افتراق ، وتغيّرت الصورة الهندسيّة الأولى تماماً . عندما بدأ المتكلّمون المسلمون وعلماء الدين بالتأثر بنظام العقل اليوناني ، تغيّر نمط الفهم في مجال وعي النصوص ، وظهرت أسئلة كثيرة حول هذا النص أو ذاك ، والسؤال علامة صحيّة ودليل خير ، لكنّه عندما ينطلق من خطأ يصبح الجواب خطأ أحياناً ؛ لأنّ الجواب قد يتأثر بالفضاء الذي جاء السؤال من خلاله ، لقد ورّط المسلمون أنفسهم بعشرات التساؤلات حول النصوص ، ليس لأنّهم قد ازدادوا علماً ووعياً دائماً - وإن كان هذا صحيحاً في الجملة - بل لأنّهم نظروا أحياناً للنصوص نظرة خاطئة ، فطرحوا حولها أسئلةً ما كان ينبغي طرحها لو كان نظام الفهم مختلفاً ، وأدّى الجواب عن هذه الأسئلة إلى هجران نمط الفهم